إسبانيا على المحك: معجزة اقتصادية أم وهم إحصائي؟

تحقيق معمق حول الأداء الاقتصادي الإسباني في 2024-2026، بين نمو قياسي وتحديات هيكلية مثل أزمة السكن وبطالة الشباب وضعف الإنتاجية.

أبريل 28, 2026 - 09:45
 0  2
إسبانيا على المحك: معجزة اقتصادية أم وهم إحصائي؟

إسبانيا على المحك: معجزة اقتصادية أم وهم إحصائي؟

تحقيق خاص | أبريل 2026


"في عام 2012، نشرت مجلة The Economist صورة إسبانيا على غلافها تحت عنوان 'دولة جريحة'. اليوم، تنشر المجلة ذاتها أن إسبانيا هي 'أفضل اقتصاد في العالم'. ما الذي تغيّر؟ وهل تغيّر حقاً؟"


في لشبونة، في برلين، في روما — يتساءل الاقتصاديون الأوروبيون بمزيج من الإعجاب والريبة: كيف نجحت إسبانيا في أن تكون الاستثناء حين كان الجميع يتعثّر؟ وكيف سجّلت نمواً بثلاثة أضعاف ألمانيا وفرنسا وإيطاليا مجتمعةً، في عام 2024، بينما كانت أوروبا تئنّ تحت وطأة الحرب والتضخم وارتفاع أسعار الفائدة؟

الجواب ليس بسيطاً. وكل من يقدّمه بسيطاً — سواء كان من المحتفين أو من المشككين — إنما يُضلل.


الأرقام التي لا يمكن إنكارها

لنبدأ من حيث لا خلاف: الأرقام الرسمية صادمة في إيجابيتها.

نما الناتج المحلي الإجمالي الإسباني بنسبة 3.2% في عام 2024 — ضعف ما توقعته الحكومة ذاتها (2.7%)، وأربعة أضعاف المتوسط الأوروبي الذي لم يتجاوز 0.9%. وفي الربع الأخير من العام، حافظ الاقتصاد على وتيرته بنمو سنوي بلغ 3.5% — في الوقت الذي دخلت فيه ألمانيا دوامة الركود.

لم يكن هذا حظاً عابراً؛ فهو العام الرابع على التوالي الذي ينمو فيه الاقتصاد الإسباني منذ الانهيار الكوفيدي عام 2020، ليقف اليوم أعلى بـ7.6% من مستويات ما قبل الجائحة.

أما في سوق العمل، فقد أُنجز ما كان يُعدّ مستحيلاً: 468,000 وظيفة جديدة في عام واحد، وانخفاض معدل البطالة إلى 10.6% — أدنى مستوياته منذ 17 عاماً. وبلغ إجمالي العاملين 21.8 مليون شخص، رقم قياسي في تاريخ البلاد.

والمفوضية الأوروبية تُقرّ بما لا يقبل الجدل: إسبانيا تقود نمو منطقة اليورو، ومن المتوقع أن تحافظ على هذه الريادة حتى 2027.


محرّكات النمو: من يستحق الفضل؟

ثمة ثلاثة محركات رئيسية تفسّر ما يجري، وهي تستحق التدقيق والتمييز:

أولاً: السياحة — العملاق الهادئ استقبلت إسبانيا 94 مليون سائح في 2024، بارتفاع 10% عن العام السابق، وضخّت العائدات السياحية ما يعادل 13% من الناتج المحلي. هذا الرقم لا يُنسب إلى سياسة حكومية؛ فالسياحة الإسبانية كانت تتضخم قبل سانشيز وستبقى بعده. الشمس والشواطئ والتراث لا تمنحها أي حكومة.

ثانياً: أموال الإنعاش الأوروبية تدفّقت مليارات اليورو من صندوق NextGenerationEU نحو المشاريع الخضراء والرقمنة، وضخّت زخماً استثمارياً لم يكن ليُتاح بقرار حكومي وحده. إسبانيا كانت من أسرع الدول الأوروبية في امتصاص هذه الأموال — وهنا يمكن منح الحكومة قدراً من الفضل في الكفاءة التنفيذية.

ثالثاً: الهجرة — الوقود الديموغرافي الصامت أسهمت الهجرة المُنظّمة التي دافع عنها سانشيز في إضافة 0.7 نقطة مئوية إلى نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي سنوياً بين 2022 و2024، وفق تقديرات OECD. المهاجرون ملأوا فراغاً في سوق العمل وضخّوا طاقة في قطاعات السياحة والبناء والتجزئة.


الحقيقة المُرّة التي تختبئ خلف الأرقام

حين يسمع شاب إسباني في الثلاثينيات من عمره أن بلاده "أفضل اقتصاد في العالم"، يُسارع إلى الضحك — أو ربما يبكي.

أزمة السكن: الجرح المفتوح لم ترتفع إيجارات المنازل في إسبانيا خلال 2024 بنسبة 11.5% فحسب — بل باتت في مدريد وباسيلونة تستنزف ما يصل إلى 70% من الراتب الشهري لكثير من الشباب. وفي العاصمة وحدها، قفزت أسعار شراء العقارات بنسبة 20% في عام واحد.

النتيجة المنطقية: 65.9% من الإسبان بين 18 و34 عاماً لا يزالون يسكنون مع أهلهم — ارتفاعاً من 53% عام 2008. جيل كامل يشهد ازدهار بلده ويعجز عن كراء غرفة.

بطالة الشباب: الندبة الهيكلية يقف معدل بطالة الشباب الإسباني عند 23.8% مطلع 2026 — أكثر من ضعف المتوسط الأوروبي البالغ 15%. والأخطر أن كثيراً ممن يعملون يفعلون ذلك بعقود مؤقتة هشّة، أو في وظائف موسمية لا توفر أماناً حقيقياً.

ضعف الإنتاجية: العقب الأكبر تتسع الفجوة بين الإنتاجية الإسبانية والمتوسط الأوروبي لتبلغ 10 إلى 15% منذ 2008. ببساطة: الإسباني يعمل أكثر لكنه ينتج أقل مقارنة بنظيره الألماني أو الفرنسي. هذا يعني أن النمو الحالي مهدّد بالهشاشة على المدى البعيد.

التشرذم السياسي: قيد الإصلاح لا يملك ائتلاف سانشيز سوى 152 مقعداً من 350. فشل في إقرار ميزانية سنوية، وبات رهينة تحالفات هشّة مع الأحزاب الانفصالية الكاتالانية والباسكية. الإصلاحات البنيوية الكبرى — في التعليم والسوق العقارية والنظام الضريبي — تبقى مُجمَّدة في انتظار أغلبية لن تأتي.


ماذا يقول العالم؟

المؤسسات الدولية تُثني وتُحذّر في آنٍ معاً:

منظمة OECD تُقرّ بأن النمو الإسباني ما بعد الجائحة كان "أوسع قاعدة وأقل اعتماداً على رأس المال الأجنبي" من دورات سابقة — وهذا مؤشر صحي حقيقي. لكنها تحذر من أن "الشيخوخة السكانية ستُولّد ضغوطاً متصاعدة على المالية العامة في العقود القادمة" في غياب إصلاح هيكلي.

المفوضية الأوروبية تتوقع استمرار النمو عند 2.9% في 2025 و2.3% في 2026 — أرقام تحسد عليها معظم الدول الأوروبية، لكنها أدنى من مستويات 2024.

مركز ESADE للأبحاث يُلخّص المشهد ببلاغة: "ثلاثة تحديات وجودية — التشرذم السياسي، وضعف الإنتاجية، وأزمة السكن — تُهدد أن تُحوّل الانتعاش الاقتصادي إلى حالة عابرة لا استراتيجية مستدامة."


خاتمة: سؤال لا جواب واحد له

إسبانيا 2026 ليست معجزة — وليست فشلاً. هي نموذج لدولة نجحت في المعركة الكمية للنمو، بينما لا تزال تخسر المعركة النوعية للعدالة الاجتماعية.

الأرقام الكلية تُبهج المستثمرين في دافوس، لكنها لا تُخفّف إيجار شاب في برشلونة يدفع ألفي يورو مقابل غرفة. والسياحة تجلب العملة الأجنبية، لكنها تُهجّر أبناء الأحياء العريقة من منازلهم.

السؤال الحقيقي ليس: "هل تنمو إسبانيا؟" السؤال الحقيقي هو: "لصالح من تنمو؟"

وهذا السؤال — في إسبانيا كما في سائر الديمقراطيات الغربية — لم يجد بعد جواباً يُرضي الأجيال الشابة التي تنتظر على الرصيف، تنظر إلى نافذة الرخاء من بعيد.


المصادر: CaixaBank Research، المفوضية الأوروبية، OECD Economic Survey 2025، Euronews، مركز ESADE للأبحاث الاقتصادية، المكتب الإحصائي الإسباني INE

ما هي ردة فعلك؟

مثل مثل 0
عدم الإعجاب عدم الإعجاب 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
واو واو 1